السيد كمال الحيدري

265

دروس في التوحيد

إنّ الإشكالين ( إشكال العلم الأزلي والإرادة الأزلية ) يلتقيان في جواب واحد ، وإن كانت بعض تفصيلاته تتّسم بالدقّة . ولا يخفى أنّنا أيضاً نعتقد بأنّ ما علمه الله أزلًا وما أراده أزلًا ، لابدّ أن يقع ، وما لم يعلمه ولم يرده لا يقع جزماً . إنّما السؤال : هل أراد الله سبحانه وعَلِمَ وقوع الفعل كيفما كان ، أم أراده وعلِمَه على كيفيّة خاصّة ؟ إنّ العلم نفسه لا يدلّ على وقوع الفعل بالضرورة . نعم ، إذا ثبت أنّ الله علم وقوع الفعل كيفما كان ، يلزم من ذلك الجبر . أمّا لو قلنا بأنّه سبحانه علم وقوع الفعل على كيفيّة خاصّة فالأمر يختلف . وفي الفعل الإنساني ، فإنّ المراد بالكيفيّة الخاصّة هو إرادة الإنسان نفسه لذلك الفعل . فالله سبحانه علم من العبد أنّه سيختار الفعل فأراد الفعل ، وبذلك لا تعارُض بين علم الله وإرادته للفعل وبين إرادة الإنسان له ومسؤوليّته في إيجاده . يمكن أن نعرض الجواب بصورة أوضح من خلال فرضيّتين : الفرضية الأولى : أن نقول إنّ الله سبحانه أراد الفعل منذ الأزل ، وعندئذ لا معنى لإرادة الإنسان ، لأنّ الله أراد الفعل ، فلابدّ للعبد أن يريده من دون أن تكون له قدرة على غير ذلك . وبذلك يكون الفعل قد صدر عن الإنسان بالضرورة وليس له دخل في وجوده . كذلك الحال في العلم . فلو فرضنا أنّ الله سبحانه عَلِمَ وقوع الفعل كيفما كان ، فلابدّ لهذا الفعل أن يقع من هذا العبد ، ولو لم يقع للزم من ذلك انقلاب علمه جهلًا ، كما ذهب إليه الأشاعرة . الفرضية الثانية : أن نقول إنّ الله سبحانه يعلم من الأزل ماذا سيختار عليّ مثلًا ، فإذا ما كان واقعاً في علمه أنّ عليّاً سيختار الفعل ، فعندئذ يكون ما يريده الله تعالى أزلًا هو الفعل . أمّا إذا ما كان واقعاً في علمه أنّ عليّاً سيختار الترك ،